ما لا نقيسه.. لا نستطيع تطويره
في أحد الاجتماعات، سأل مديرٌ فريقه سؤالاً بسيطاً: «كيف كان أداؤنا هذا الشهر؟». تبادل الحاضرون النظرات. قال أحدهم: «جيد، أظن». وقال آخر: «أفضل من الشهر الماضي». وقال ثالث: «الناس يتفاعلون معنا كثيراً».
ثلاث إجابات، ولا رقم واحد.
هذا المشهد يتكرّر في مؤسساتٍ كثيرة أكثر مما نعترف. نعمل بجدّ، ونتعب، وننشر، ونطلق الحملات، ثم نحكم على كل ذلك بالانطباع. والانطباع، مهما كان صادقاً، يبقى رأياً شخصياً يتأثّر بمزاجنا وبآخر تعليقٍ قرأناه وبما نتمنّى أن يكون صحيحاً.
الحدس وحده لا يكفي
لا أقلّل من قيمة الخبرة. سنوات العمل تمنحنا حسّاً يصعب شرحه، فنشعر أحياناً بأنّ خبراً ما سينتشر قبل أن ينتشر، أو بأنّ فكرةً ما لن تنجح قبل أن نجرّبها. لكنّ هذا الحسّ يخطئ أيضاً، وأخطاؤه مكلفة لأننا لا نكتشفها إلا متأخرين.
أدوات القياس الرقمية لا تأتي لتلغي الخبرة، بل لتختبرها. هي المرآة التي تخبرنا إن كان ما نشعر به حقيقياً، أم أننا نرى ما نريد أن نراه.
الأرقام تقول ما لا يقوله الزملاء
في كل فريقٍ مجاملات صغيرة. لا أحد يريد أن يقول لزميله إنّ برنامجه لا يُشاهَد، أو إنّ الحملة التي سهر عليها لم تصل إلى أحد. أما الأرقام فلا تجامل.
قد تكشف لك أنّ المحتوى الذي تراه الإدارة «ثانوياً» هو ما يجذب الجمهور فعلاً، وأنّ المنشور الذي احتفل به الفريق حصد إعجابات كثيرة من حساباتٍ لا تمثّل جمهورك الحقيقي. وقد تكشف أنّ الساعة التي اعتدت أن تنشر فيها منذ سنوات هي أسوأ ساعة ممكنة.
هذه الحقائق قد تكون مزعجة، لكنها الطريق الوحيد إلى قرارٍ صحيح.
القياس عدالة أيضاً
في مقالٍ سابق كتبتُ عن المؤسسات التي تقيس موظفيها بساعات الحضور والانصراف، وكيف تصنع بذلك موظفاً يهتمّ بالبصمة أكثر من الإنجاز. وأدوات القياس الرقمية، حين تُستخدم بحكمة، هي البديل الأعدل لتلك العقلية.
فبدل أن نسأل متى وصل الموظف، نسأل ماذا أنجز وما الأثر الذي تركه. والموظف المجتهد الذي كان عمله يضيع وسط الضجيج يجد أخيراً رقماً يشهد له. أما المدير، فيجد أساساً موضوعياً للتقييم بدل الاعتماد على من يتحدّث أكثر في الاجتماعات أو يقترب أكثر من مكتبه.
لكن احذر من عبادة الرقم
ولأنّ لكل أداةٍ وجهاً آخر، يجب أن أقول بصراحة: الأرقام قد تتحوّل هي الأخرى إلى سجن.
حين يصبح عدد المشاهدات هو الهدف الوحيد، يبدأ الفريق بمطاردة الإثارة على حساب المصداقية، ويتحوّل العنوان الصادق إلى عنوانٍ مضلّل لأنه «يحقّق أرقاماً». وحين يُحاسَب الموظف على مؤشرٍ واحد، سيتقن رفع ذلك المؤشر، حتى لو خسرت المؤسسة كل شيء آخر.
الرقم يخبرك بما حدث، لكنه لا يخبرك دائماً لماذا حدث، ولا إن كان ما حدث يستحق الاحتفال.
لذلك يحتاج الرقم إلى عقلٍ يقرأه، ويسأل عن السياق، ويربطه بالأهداف الحقيقية للمؤسسة لا بالأرقام اللامعة وحدها.
من البيانات إلى القرار
ما تعلّمته من العمل مع المنصّات الرقمية، ومن بناء أداة Media Tracker لتحليل أداء القنوات العراقية، أنّ المشكلة نادراً ما تكون في غياب البيانات. البيانات متوفّرة في كل لوحة تحكّم، وبكمياتٍ أكبر مما نستطيع قراءته.
المشكلة الحقيقية أننا نجمعها ولا نسألها. نفتح التقارير لنطمئن، لا لنتعلّم. والمؤسسة الذكية ليست التي تملك أكثر الأرقام، بل التي تعرف أيّ الأرقام تهمّها، وتجلس معها بانتظام، وتملك الشجاعة لتغيير خطتها حين تخبرها تلك الأرقام بأنها على الطريق الخطأ.
في النهاية
أدوات القياس لا تصنع النجاح بحدّ ذاتها، تماماً كما لا يصنع الميزان رشاقة من يقف عليه. لكنها تمنحنا شيئاً ثميناً: الصدق مع أنفسنا.
وحين نعود إلى ذلك الاجتماع، ويسأل المدير «كيف كان أداؤنا؟»، فإنّ الفريق الذي يقيس لن يتبادل النظرات. سيفتح الشاشة، ويقول: هذا ما نجح، وهذا ما فشل، وهذا ما سنفعله بشكلٍ مختلف الشهر القادم.
هذا هو الفرق بين فريقٍ يعمل كثيراً، وفريقٍ يعمل بذكاء.
