المدير الذي يرى الإنسان قبل الجدول
تخيّل موظفاً يدخل المكتب صباحاً بعينين متعبتين. لم ينم جيداً، لأنّ طفله كان محموماً طوال الليل. ينتظره على الطاولة تقريرٌ يجب تسليمه قبل الظهر، ومديرٌ يعرف أنّ التأخير غير مقبول.
هنا، في هذه اللحظة الصغيرة التي لا يراها أحد، يُختبر المدير الحقيقي.
يستطيع أن يقول: «القواعد واضحة، والموعد هو الموعد». ولن يلومه أحد، فهو على حقّ من الناحية النظامية. لكنه يستطيع أيضاً أن يسأل بهدوء: «كيف حالك اليوم؟ هل تحتاج إلى ساعتين إضافيتين؟». الجملة الأولى ستُنجز التقرير على الأرجح، أما الثانية فستصنع موظفاً يتذكّرها سنوات، ويردّها مضاعفةً في يومٍ يحتاج فيه مديره إليه.
لسنا آلات
في سنواتي داخل المؤسسات الإعلامية، تعلّمت أنّ أخطر وهمٍ يقع فيه المدير هو أن يعامل فريقه كأرقام في جدول إنتاج. الموظف ليس «مورداً بشرياً» كما تسمّيه الكتب، بل إنسانٌ يأتي إلى العمل محمّلاً بحياته كلها: قلقه، وأحلامه، وديونه، وفرحه بمولودٍ جديد، وحزنه على فقيدٍ لم يمضِ على رحيله شهر.
المدير الذي لا يرى ذلك يحصل من فريقه على الحدّ الأدنى: ساعات الدوام، والمهام المطلوبة، ولا شيء أكثر. أما المدير الذي يراه، فيحصل على ما لا يُطلب ولا يُشترى: الحماس، والمبادرة، وتلك الساعة الإضافية التي يبقاها الموظف طوعاً لأنه يشعر بأنّ هذا المكان يشبه بيته.
المرونة ليست تنازلاً
قد يسأل أحدهم: ألا تُفسد المرونةُ الانضباط؟ ألا يستغلّها البعض؟
ربما. لكنني رأيت أنّ الفرق الأكثر انضباطاً لم تكن تلك التي يحكمها الخوف، بل تلك التي يحكمها الاحترام. حين يعرف الموظف أنّ مديره سيقف معه في ظرفٍ صعب، يصبح الالتزام قراراً نابعاً منه، لا أمراً مفروضاً عليه.
المرونة لا تعني أن نتخلّى عن الأهداف، بل أن نتذكّر أنّ من سيحقّقها بشرٌ يتعبون ويخطئون، ويحتاجون أحياناً إلى كلمةٍ طيبة أكثر مما يحتاجون إلى توجيهٍ جديد.
حين يتحوّل الروتين إلى سجن
هل لاحظتَ يوماً كيف يدخل موظفٌ جديد إلى المؤسسة وعيناه تلمعان بالأفكار؟ يقترح ويسأل ويحاول، ويريد أن يترك بصمته من الأسبوع الأول. ثم تمرّ أشهر قليلة، فتراه وقد صار يشبه الجميع: يصل في موعده، وينجز المطلوب، ويغادر في موعده، ولا شيء أكثر.
ما الذي حدث؟ في الغالب لم يفقد موهبته، بل اصطدم بجدارٍ اسمه «هكذا نعمل هنا».
كل فكرةٍ تحتاج إلى ثلاث موافقات، وكل مبادرةٍ يجب أن تمرّ عبر نموذجٍ لم يُحدَّث منذ سنوات. وكل محاولةٍ للخروج عن المألوف يقابلها سؤالٌ واحد يتكرّر حتى يصبح جواباً: «ومن طلب منك ذلك؟». شيئاً فشيئاً، يتعلّم الموظف الدرس الذي لم يرد أحدٌ أن يعلّمه إياه: أنّ الاجتهاد متعب، وأنّ الطريق الأسلم هو أن يفعل ما يُطلب منه فقط.
لا أقول إنّ النظام عدو. المؤسسات تحتاج إلى قواعد تحميها من الفوضى، كما يحتاج البيت إلى جدرانٍ تحمي سكانه. لكنّ الجدران التي تحمي يمكنها أيضاً أن تخنق إذا لم تكن فيها نوافذ. والروتين الإداري حين يصبح غايةً بذاته، لا وسيلةً لتنظيم العمل، يتحوّل إلى سجنٍ أنيق يقتل الحسّ الإبداعي ببطء، ويضيف إلى الأيام رتابةً تجعل كل صباحٍ نسخةً باهتة من الصباح الذي قبله.
والرتابة لا تسرق الإبداع وحده، بل تسرق الرغبة في الإنجاز أيضاً. فالإنسان لا يتحمّس لعملٍ يعرف نهايته قبل أن يبدأه، ولا يبذل جهداً إضافياً في مكانٍ لا يرى فيه فرقاً بين من يجتهد ومن يكتفي بالحدّ الأدنى.
المدير المرن هو من يفتح النوافذ في تلك الجدران. يسأل نفسه بين حينٍ وآخر: هل ما زالت هذه الإجراءات تخدمنا، أم صرنا نحن نخدمها؟ يختصر خطوةً لا معنى لها، ويمنح موظفاً مساحةً ليجرّب طريقته، ويكسر رتابة الأسبوع باجتماعٍ مختلف أو مشروعٍ صغير خارج المهام المعتادة. تفاصيل بسيطة، لكنها تعيد إلى العيون ذلك اللمعان الذي دخل به الموظف أول مرة.
موظف الساعة.. لا موظف الإنجاز
في بعض المؤسسات، أول ما يُسأل عنه الموظف ليس ما الذي أنجزه، بل متى وصل ومتى غادر. جهاز البصمة يتحوّل إلى أهم موظف في المبنى، وكشف الحضور يصبح المقياس الأول للتقييم، والدقائق الخمس المتأخرة تُناقَش بجديةٍ أكبر مما يُناقَش به مشروعٌ تعثّر أو فكرةٌ ضاعت.
والنتيجة؟ تصنع هذه المؤسسات بالضبط ما تكافئ عليه: موظفاً يهتمّ بساعة دخوله وخروجه أكثر من اهتمامه بما يحدث بينهما.
يتعلّم هذا الموظف بسرعة أنّ الحضور الجسدي يكفي. يجلس على مكتبه ثماني ساعات كاملة، لكنّ عقله يعدّ الدقائق نحو موعد الانصراف. لا يقترح شيئاً جديداً، لأنّ الاقتراح يعني عملاً إضافياً لن يراه أحد. ولا يتطوّع لمهمةٍ خارج وصفه الوظيفي، لأنّ من يعمل أكثر يخطئ أكثر، ومن يخطئ في مؤسسةٍ تراقب كل شيء سيدفع الثمن.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: المؤسسة التي أرادت الانضباط حصلت على موظفٍ يتهرّب من العمل كي لا يخطئ. صار الأمان عنده في ألّا يفعل شيئاً يُحاسَب عليه، وصارت روح المبادرة مخاطرةً لا يجد سبباً واحداً ليخوضها.
لا أدعو هنا إلى الفوضى، ولا أقلّل من قيمة الوقت. هناك أعمالٌ لا تحتمل التأخير، وفي غرف الأخبار تحديداً تعلّمتُ أنّ دقيقةً واحدة قد تصنع الفرق بين السبق والتأخر عنه. لكنّ احترام الوقت شيء، وتحويله إلى أداةٍ للرقابة والعقاب شيءٌ آخر تماماً.
المدير المرن يسأل السؤال الصحيح: هل أنجز فريقي ما يجب إنجازه، وبالجودة التي نطمح إليها؟ فإذا كان الجواب نعم، فلن تعنيه كثيراً دقائق تأخّر فيها موظفٌ سهر الليلة الماضية على إنهاء مهمته. وإذا كان الجواب لا، فلن ينقذه أيّ كشف حضور، مهما كان دقيقاً.
الخطأ ليس نهاية العالم
أكثر ما يقتل الإبداع في أي فريق هو الخوف من الخطأ. حين يعرف الموظف أنّ أي تجربة فاشلة ستُحسب عليه، يتوقّف عن التجريب، ويكتفي بالطريق الآمن الذي سلكه الجميع قبله.
المدير المرن يفهم أنّ الخطأ ثمنٌ طبيعي للمحاولة. لا يصفّق له، لكنه لا يحوّله إلى محاكمة. يجلس مع صاحبه ويسأل: ماذا تعلّمنا؟ وكيف نفعلها بشكلٍ أفضل في المرة القادمة؟ هذا السؤال وحده قادر على أن يحوّل موظفاً خائفاً إلى موظفٍ يجرؤ على الحلم.
وأنت أيضاً إنسان
ولأنّ الحديث عن الإنسانية لا يكتمل من طرفٍ واحد، أقول لكل مدير: أنت أيضاً لست آلة. من حقّك أن تتعب، وأن تتردّد، وأن تعترف أمام فريقك بأنك أخطأت في قرارٍ ما. هذا الاعتراف لن يُنقص من هيبتك، بل سيجعلك أقرب إليهم، وسيعلّمهم بالقدوة لا بالكلام أنّ الخطأ ليس عاراً.
في النهاية
لن يتذكّر موظفوك بعد سنوات كم تقريراً سلّموه في موعده، ولا كم مرةً وصلوا قبل الثامنة. سيتذكّرون كيف جعلتهم يشعرون: هل كانوا أرقاماً في جدولك، أم بشراً في فريقك؟
حين تعتني بالناس، سيعتنون هم بكل شيء آخر.
وهذا، في ظنّي، هو السرّ الحقيقي للنجاح. ليس المرونة بوصفها مهارةً إدارية، بل بوصفها قدرةً على أن ترى الإنسان قبل المهمة، وأن تصدّق أنك حين تعتني بالناس، سيعتنون هم بكل شيء آخر.
