atheer للتواصل المهني
→ كل المقالات رأي

كاظم الساهر والذكاء الاصطناعي: درس في مرونة العقل الفني

أثير محمد٤ دقائق قراءة

بعد انقطاعٍ طويل عن الكتابة، أعود من بابٍ لم أتوقّعه: أغنية. لا لأقيّمها، ولا لأدخل في جدل الذائقة والمزاج العام الذي يرافق كلّ إصدار جديد، بل لأتوقّف عند فكرةٍ أكبر من الأغنية نفسها.

نوتة موسيقية تتداخل مع خطوط رقمية وموجة صوتية تتحوّل إلى بكسلات

لنتخيّل الصورة كاملة: فنانٌ أصدر أول فيديو كليب له عام 1981، وما يزال حتى اليوم يملك من الطاقة والنَّفَس الطويل ما يجعله يواكب تقنيات عصره، كأنّه يرفض فكرة التقاعد، أو يرفض على الأقل أن يتحوّل إلى أرشيفٍ جميل. وفي المقابل، نرى فنانين معاصرين، بعضهم من أجيالٍ شابة، أنهكهم الطريق فرفعوا الراية البيضاء وغادروا الساحة مبكراً.

ليست الأغنية.. بل الخطوة

هذا الفنان هو كاظم الساهر. وبصرف النظر عن أيّ نقاش يتعلّق باختياراته الفنية الأخيرة، فإنّه يقدّم مرةً أخرى دليلاً على أنّ العقلية المتجدّدة هي وحدها التي تعيش وتستمر.

ما استوقفني حقاً لم يكن أغنية «أحباب» بحدّ ذاتها، بل الخطوة الذكية التي رافقتها: فيديو كليب مصنوع بالكامل بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

قد يقول قائل إنّ الساهر ليس أول فنان عربي يقدّم كليباً بالذكاء الاصطناعي، وهذا صحيح؛ فقد سبقه إلى التجربة خلال الأشهر الماضية عددٌ من الفنانين العرب. لكنّ الفارق هنا جوهري: نحن أمام فنان قدّم واحداً من أكثر الكليبات أيقونيةً في ذاكرة الأغنية العربية، «قولي أحبك»، ولم يكن بحاجةٍ إلى هذه التجربة لا فنياً ولا مادياً ولا حتى صحياً. لم تفرضها عليه قلّة الموارد، ولا صعوبة التصوير، ولا مطاردة «الترند». لقد اختارها عن قناعة، وهذا تحديداً ما يمنح الخطوة وزنها.

تسمية الأشياء بأسمائها

والأرقى من ذلك كلّه وعيه بتسمية الأشياء بمسمّياتها؛ إذ نسب الفضل إلى أهله، وذكر منفّذ العمل باحترام بصفته «فنان ذكاء اصطناعي».

في زمنٍ يتسابق فيه كثيرون إلى إخفاء أدوات الذكاء الاصطناعي، أو التعامل معها بحرجٍ كأنّها اختصارٌ غير مشروع، يأتي فنانٌ بهذا العمر وهذا التاريخ ليمنح صانع المحتوى الرقمي لقب «فنان» علناً. وهذا الاعتراف ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل موقفٌ واضح من مسألةٍ تشغل اليوم غرف الأخبار والاستوديوهات على حدّ سواء: الشفافية في استخدام الذكاء الاصطناعي، والإقرار بأنّ خلف الأداة إنساناً يملك رؤيةً وذائقةً وجهداً.

الذكاء الاصطناعي ليس عدواً ولا تهديداً، بل مساحة إبداعٍ جديدة وتطوّر طبيعي يفرض نفسه، والذكيّ من يُحسن توظيفه بدل أن يخافه أو يرفضه.

المستقبل لمن يتعلّم

يؤكّد هذا المشهد حقيقةً واحدة: الذكاء الاصطناعي هو المستقبل. ومن موقعي في العمل الإعلامي الرقمي وتدريب الصحفيين، أسمع السؤال ذاته يتكرّر في كلّ قاعة تدريب تقريباً: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي مكاننا؟ والجواب الذي تقدّمه تجربة الساهر بسيطٌ وعميق في آن: لن يأخذ مكان من يتعلّم كيف يعمل معه.

كلّما رأيتُ هذا القدر من تقبّل التغيير بمرونة، ازددتُ اقتناعاً بأنّ التمسّك بالتطوّر هو الحيلة الوحيدة لنشقّ طريقنا وسط هذا التسارع الغريب؛ تماماً كما نتصالح مع فكرة أنّ الحياة يجب أن تستمر، وأنّ علينا أن نتأقلم معها.

أثير محمد
أثير محمد صحافي رقمي، ومؤسس «أثير للإدارة والتطوير الإعلامي».
للتواصل المهني